الشيخ السبحاني
70
مفاهيم القرآن
ولا عهد بهذه المعارف ، وليس إطلاقها عليها من خصائص القرآن ، بل هو يتبع في ذلك لما هو الدارج ، والحق في الجواب ما أوضحناه . 4 - كلّ نبي مبعوث بلسان قومه جرت سنّة اللَّه على بعث رسله بلسان قومهم ، وهذا هو الأصل لو كان الرسول مبعوثاً إلى خصوص إنقاذ قومه . أمّا إذا كان مبعوثاً إلى أُمّة أوسع من قومه ، وكان كلّ قوم يتكلّمون بلسانهم الخاص فعند ذلك لا حاجة إلى نزول كتابه بجميع الألسنة ، لأنّ الترجمة تنوب عن ذلك مع ما في نزوله بلسانين أو أزيد من التطويل ، وامكان تطرّق التحريف والتبديل والتنازع والاختلاف . فبقي أن ينزل بلسان واحد . وأولى الألسنة لسان قوم النبي ولغتهم لأنّهم أقرب إليه ، ولا معنى لرفض هدايتهم والتوجّه إلى غيرهم . على أنّ إيمان قومه به ، وخضوعهم له ، ربّما يثير رغبة الآخرين بالإيمان به كما أنّ إعراض قومه جيمعاً عن دعوته ورغبتهم عنه ، تثير روح الشك والترديد في قلوب البعداء عنه ، قائلين بأنّه لو كان في دعوته خير لما أعرض عنه قومه . على أنّ في إرسال رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بلسان قومه نكتة أخرى وهو أنّ قومه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - كانوا يملكون نفسيّة خاصة وهو عدم رضوخهم واستجابتهم بسهولة لعادات غيرهم وألسنتهم . فلو أنزل اللَّه سبحانه كتابه إليهم بغير لسانهم لما آمنوا به كما قال سبحانه : « وَلَوْ نَزّلْنهُ على بَعضِ الأعْجَمِينَ * فقرأهُ عليهِم ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنيِن » ( الشعراء : 198 - 199 ) فلأجل ذلك بعثه اللَّه سبحانه بلسان قومه حتى يسد باب العذيرة عليهم . ولأجل هذه المهمة الاجتماعية يجب على الرسول صرف همّته أوّلًا في هداية قومه وانقاذهم حتى يتسنّى له هداية الآخرين ، وهذه سنّة متبعة في الأمور العادية ، فضلًا عن المبادئ العامّة .